ورطة
المشاركين والثمن الغالي
بقلم:
د.
عدنان
الهدلق
ان
محاولة فهم اي مجتمع لابد ان تنطلق من
فرضية حسن النية حيث ان المجتمع ككل حسن
النية وإن تم استدراجه لممارسات خاطئة
وغير انسانية تتنافى مع المنطق تحت شعارات
الصالح العام والمصالح العليا او
التخويف من الطرف الآخر ويتفاوت مقدار
استدراج الشعب للقبول بممارسات لا اخلاقية
مع مقدار وعي وثقافة المجتمع وتحصنه
بالقيم الإنسانية المثلى التي ينطلق منها
لإتخاذ اي قرار.
إن
الإعتقاد بسوء نية المجتمع هو نسف لأي
طموح في الإصلاح ويغلق الباب امام اي جهود
في إصلاح المجتمع وتوحيد كلمته لمواجهة
التحديات التي تواجهه وهو ترويج لفكرة
ان من يتسلم زمام الأمور في الوقت الحالي
أفضل الموجود وهو يحمي هذه الطائفة او
تلك من ذلك التيار ولا يمكن الوثوق بغيره
في إدارة الدولة وبالتالي فهي فكرة تطرحها
اطراف تدعو لإقصاء الحركات السياسية
والقوى الاصلاحية عن المشهد السياسي خدمة
لمشروع التفرد بالقرار
لا
بد من الإعتراف أن المجتمع الكويتي للأسف
وبفعل فاعل مصاب بأمراض طائفية وقبلية
وعائلية وعنصرية وطبقية ويفتقر للكثير
من المبادئ الأساسية التي تحميه من
الإنجراف خلف مشاريع تخدم حكومية تستغل
حالة الانقسام والتشرذم الذي يعيشها
المجتمع وقد اصابة هذه الامراض بعض اطروحات
الأغلبية النيابية السابقة التي وصمت
بالطائفية وشكلت المدخل الذي نفذت منه
الحكومة في محاولة وأد اي مطالبات شعبية
وإن كانت مشروعة.
وتكاد
تخلو الساحة من المنافسة الحقيقية لأحزاب
ذات مبادئ إنسانية متوافقة مع المجتمع
الكويتي المحافظ يصاحبها فشل التيارات
السياسية التقليدية في التمسك ببعض هذه
المبادئ عند اول اختبار حيث تجد الكثير
من هذه الحركات السياسية نفسها منجرفة
خلف المصالح الإنتخابية تاركتا ورائها
المبادئ التي تنادي بها.
بعد
هذه المقدمة ساتطرق للموضوع الرئيسي وهو
ورطة المشاركين (وأعني
بالمشاركين بالإنتخابات من انجرف خلف
وعود الحكومة خوفا او طمعا أو مقتنعا
باطروحات ابواقها ومن لا يزال يلتزم الصمت
او ويبارك ما تفعله الحكومة من تقليص
للحريات)
والثمن
الغالي الذي سوف ندفعه جميعا لفشلنا في
تحقيق توافق اجتماعي وسياسي على الإصلاح
وإبتلاعنا طعم الحكومة.
فالمشاركين
حسني النية وجدوا انفسهم بين حجري الرحى
فهم من جهه يرون ان الإغلبية النيابية
السابقة انحرفت عن الوعود الإصلاحية
وانجرفت خلف مشاريع إقصائية فارضة تمكين
رأي الأغلبية ومهملة لحفظ حقوق الاقلية
في المجلس السابق وقد برز من بين هذه
الأغلبية قلة ممن تبنى أطروحات طائفية
وقدمها على القضايا الشعبية وقدم قوانين
من شأنها تقليص بعض الحريات مما اثار
الخوف والهلع في قلوب مختلف طوائف الشعب
وشكل هاجسا لديهم فوجدوا انفسهم في احضان
الفريق الآخر الذي استثمر وضخم كل هذه
المخاوف ونشر الإشاعات وجند الأقلية
لدعمه في حربه مع الأغلبية النيابية
ورويدا رويدا بدأ مشروع السلطة في اقصاء
وتقزيم الأغلبية بإستغلال نصوص القانون
وتطويعها لتحقيق اهدافها تاره و الخروج
عن القانون تارتاً اخرى دون حسيب او رقيب.
يتوهم
البعض ان الحكومة تحمي الحرية والديمقراطية
ناسيا او متناسيا تاريخا من محاربة الحرية
وفرض قوانين تقلصها وأنها بعد 50
عاما
من العمل بالدستور لم تسعى لنشر ثقافة
ديمقراطية بل استثمرت كل طاقاتها في
التفرد بالقرار ووأد اي محاولة لتكوين
الاحزاب والتجمعات السياسية حقيقية
وتهميش ما تبقى منها وهي حكومة لا حليف
لها إلا من يدعم مشروعها في التفرد بالقرار
ولا يحتاج المرء لمنجم ليعلم ان الحكومة
تسعى لإطفاء ما تبقى من شعلة الديمقراطية
والحرية وسيتحقق لها ما جاهد الآباؤنا
والمؤسسين في منعه اذا لم نتدارك الأمر.
إذا
كان عذر المشاركين ان الأغلبية كانت تتوجه
لتقليص بعض الحريات فالحكومة يا سادة لن
تقلصها فحسب بل ستقضي على الديمقراطية
والحرية وبذلك ستحقق ما كان يخشى
المشاركون ان تقوم الأغلبية ببعض منه وها
هي اليوم تسجن الشباب وتقمع المسيرات
وتسعى لتشريع قوانين تحاسب النفوس وتلجم
الألسنة ولن يقف الامر عند هذا فبعد انتصار
الحكومة في مشروع وأد الحراك الشبابي
والشعبي مستغلة صمت المشاركين عن هذا سوف
تقوم الحكومة بتصفية خلافاتها السياسية
مع الحركات الموجودة بسجن من تبقى منهم
سياسيا عن طريق تلفيق تهم الهمز واللمز
وقد تقود الحكومة بعدها عملية إرهاب لأي
شخص او تحرك يجرؤ ان يتكلم في المستقبل
للمحافظة على مكتسبات الحكومة الإقصائية وقد
يمتد هذا للتعذيب وقد شاهدنا بروفة من
هذا القبيل في قضية الميموني وستجد الحكومة
اعلاما صامتا وشعبا خانعا صاغرا وبهذا
ندخل عصر الظلام والشمولية في الكويت
وسيجد المشاركين انفسهم في قفص الإتهام
مع الحكومة ولن يستطيعوا ان يتبرؤ منها
لإنهم حينها سيكون مصيرهم كمصير المعارضة
فأما ان يتحولوا لأبواق لها او يلتزموا
الصمت حتى يتوفاهم الله او يتحولوا لسجناء
رأي.
ورطة
المشاركين بدأت حين ربطوا مصيرهم بحكومة
ليس لهم فيها ناقة او جمل فهي حكومة لم
يختاروها ولا يستطيعون السيطرة عليها
او ايقافها وستجرفنا جميعا معها لأرذل
المستويات حيث لا حرية ولا كرامة ولا
ديمقراطية إلى كويت يستوطنها الخوف
والنفاق والرياء ويعيش فيها المواطن
ذليلا ويولد فيها الإنسان عبداً وها هي
الحكومة بدأت تختبر أخلاق الشعب ومدى
خنوعه فبدأت بسجن المغردين وتلفيق تهم
معلبة تستند على تفسير النوايا حتى سجن
إثنان من خيرة شباب الكويت ولن ينتهي
الامر عندهم فالقائمة طويلة جدا وها هو
قانون الهمز واللمز ومحاسبة النوايا
يطرح للنقاش في مجلس الصوت الواحد الفاقد
للشرعية يتبعه قانون لزيادة فترة الحبس
الإحتياطي ونرى الإتفاقية الامنية السرية
تلوح لنا في الافق القريب وغدا سنواجه
تعديلا دستورياً يحذف نصوص الحرية والعدالة
ويقلم اظافر المجلس ويحويله لمجلس مدح
وردح وتصفيق ولا ننسى إغلاق قناة اليوم
الفضائية المعارضة كمثال للحجر على حرية
التعبير.
توجيه
كلامي للمشاركين ليس من اجل التشفي منهم
او لومهم فالله يعلم كم كانت الأمور ملتبسه
وكيف تم تسخير الآلة الإعلامية والابواق
لصالح مشروع الإنفراد بالقرار وكيف ضيع
بعض اعضاء الأغلبية البوصلة وأضاعوا
اولويات الشعب وبذلك افقدوا بعض ابناء
الشعب الثقة بهم واستغلتها الحكومة احسن
استغلال ولكني اوجه كلامي للمشاركين لأني
أؤمن بحسن نيتهم وخوفهم على الكويت وأنهم
لن يقبلوا بهذه المسرحية التراجيدية التي
نحن مقبلون عليها فنحن اخوان في وطن واحد
يجمعنا مصير واحد.
إنكم
يا إخواني وأخواتي المشاركون اصبحوتم
اليوم من حيث تعلمون او لا تعلمون غطاء
سياسي وأخلاقي للحكومة وهي اليوم تختبر
أخلاقكم ومبادئكم ومدى قدرتكم على الإنحناء
اكثر وأكثر وستفعل ذلك ببطء حتى لا تحرك
مياهكم الراكدة ولن تقف حتى يصبح الشعب
وتصبحوا لها راكعين عندها إن قررتم في
يوم من الأيام رفع رؤوسكم ستوجه لكم
الضربة القاضية مستغله بذلك ضعف الشعب
والحراك السياسي بعد ان تم ترهيب الشعب
وتطويعه وتقول لكم أكلتم يوم اكل الثور
الأبيض.
اليوم
بعد ان ظهر توجه مجلس الصوت الواحد والحكومة
لم يعد هناك شك في ما يخفي لنا المستقبل
ولم يعد الوقت يتسع للسكوت اكثر فكلما
تأخرنا في دعم الحراك السياسي زاد الثمن
ودعوتي هنا ليست لدعم الأغلبية فالله
يعلم اني أختلف معهم في قضايا تقليص
الحريات التي تبنوها ولكني أدعوكم لحماية
حرياتكم وديمقراطيتكم وإيقاف التدهور
الذي نشهده.
تختلف
او تتفق مع بعض اطروحات المعارضة او كلها
غير مهم المهم ان لا يدفعنا خلافنا مع
الأغلبية للتخلي عن المشروع الديمقراطي
والحرية ككل لان هذا سينعكس عليك في
المستقبل فواجب علينا جميعا الإنتصار
للحرية والديمقراطية التي لا نقبل ان
تنتقص.
الحل
هو ان نضع كل خلافاتنا وأختلافاتنا جانبا
ونتفق على الحرية الكاملة والديمقراطية
الكاملة كمشروع مستقبلي مستعجل وإن ندفع
بهذا الإتجاه وقد
لا نتفق على التفاصيل وقد يشوب هذا
المشروع بعض المشاكل ولكن لنتذكر
ان الديمقراطية تسمح لنا بتصحيح اخطائها
بطريقة سلمية وحضارية ولكن الدكتاتورية
ستقضي على ما تبقى من امل بحل سلمي حضاري.
وأحب
ان اشدد انه يجب على من يؤمن بالحرية ان
لا يتذرع بأن الحكومة تطبق قوانين فهذا
وهم والجميع يعلم ويرى ذلك فهي تستخدم
القوانين ولا تطبقها وحتى لو صدقنا انها
تطبقها على الجميع فإيماننا بحرية الرأي
يوجب علينا تغيير القوانين التي تحد من
الحريات مهما كانت فحبس الرأي سجن للعقل
والعقل هو ما كرم الله به الإنسان عن باقي
المخلوقات فلا يجوز ان نحبس عقول الشعب
الكويتي فشعب بلا عقل لا يختلف عن البهائم.
إن
الوقت لم يفت لتعديل المسار والإنضمام
لإخوانك الشباب والشابات الذين يدافعون
عن الحرية ويدفعون بإتجاه حرية وديمقراطية
كاملة تتفق مع طموح وأحلام الشعب الكويتي
فإنضمامك لهم كفيل بوقف هذا المشروع وجعل
الحكومة تكف عن إنتقاص حرياتنا وإلا فلا
مستقبل لنا في بلد تحتكر فيه الحكومة
السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية
وقريبا ستسقط السلطة القضائية كاملة في
قبضتها.
إذا
كنت تريد ان تعرف المستقبل فما عليك إلا
ان تتذكر حكومات وبرلمانات وقضاء الدول
الشمولية لتعلم إلى اين تتجه الكويت
فالتاريخ يكرر نفسه واللعب على وتر
الإختلافات هو من سمح للحكومات ان تنفرد
بالقرار فهل ستشارك في هذا ايضا؟
د.
عدنان
الهدلق
Twitter: @DrAdnanAlhadlaq